العلاقة بين التربية والابستمولوجيا
عنوان المقالة:
الابستمولوجيا والتربية
ملخص:
في حين أن فلسفة التربية تعتبر غالباً مبحثاً تطبيقياً إلا أنها قدمت مساهمات عبر مجموعة الطيف الفلسفي على سبيل المثال كان هناك جملة هامة من الأبحاث حول الجماليات والتربية وكان هناك كر وفر من حين لآخر في المناظرات حول الانطولوجيا وحتى الميتافيزيقيا مع أنه نادر. ومع هذا فإن غالبية الأبحاث كانت معنية على الدوام بالابستمولوجيا (أي مسائل المعرفة) والأخلاقيات (مسائل الاجراءات الصائبة). وتقليدياً كان لمعظم الأبحاث تلك، وبشكل خاص في الابستمولوجيا، نزعة فردية بدرجة عالية. إن فرضية العقل العليم باعتباره الخصيصة الأساسية للفاعل العقلاني المستقل ذاتياً هي في صلب التقاليد التربوية الليبرالية وتضرب جذورها في الشك الديكارتي: حتى وإن كنتُ أشكُ من أنا فهناك "أنا" الذي يشك وهذا "الأنا" هو الخاصية الجوهرية للفاعل العقلاني المستقل ذاتياً أي الإنسان الكامل[2022، GQLX]
خلفيات:
بالطبع ورثة هذا الإرث الديكارتي لا يلزم أن يكونوا ذواتية: فمن السهل الجدل أن للفرد واجبات تجاه الآخرين ويحتاج الارتباط بهم وأنه في اعتبار مثل تلك القضايا تتخذ الأخلاقيات مكانتها في الأعراف الفلسفية الحديثة. ومن حيث السياسة الاجتماعية تميل التقاليد الليبرالية للتفكير من حيث الضوابط العديدة للعقد الاجتماعي حيث على الأقل في أشكاله المبكرة يبادل الفرد جوانب محددة من حريته مقابل المنافع والأمن الذي يمنحه المجتمع المنظم. وبالنسبة للعديد من التربويين على الأقل المفكرون الرئيسيون في بداية هذا التقليد هم أولئك الذين تصوروا الإنسان باعتباره الذي من الممكن أن يقطن دولتين: دولة الطبيعة أو دولة المجتمع. وبالنسبة لـــ هوبز كانت دولة الطبيعة تنافسية وخطرة وبالتالي فإن حكم السيادة الخيرة يمكن أن توقف الناس من تمزيق بعضهم البعض بشكل فعال. وبالنسبة لــ لوك كانت دولة الطبيعة أكثر خيرية ولكن التدريب الاجتماعي بالانسجام مع الميول الاجتماعية يمكن أن ينتج أفضل المخرجات من حيث الازدهار البشري. وبالنسبة لـ روسو كانت الطبيعة بشكل أساسي طيبة والمجتمع (في كل أشكاله القائمة) لم يكن محل ثقة على الرغم من أن النمو البشري يعتمد في النهاية على الفعل الاجتماعي. تقدم نظرة لوك التبرير الكامل للتدخل التربوي إلى المدى الذي يستفيد فيه الطفل من التدريب الذي بني على ميوله الطبيعية.
وتقدم وجهة نظر روسو التبرير الكامل لتأخير الدراسة المدرسية الرسمية والسماح للأطفال التعلم من خلال اللعب بحيث يتمكنوا من تطوير الثقة بالنفس بشكل سليم قبل الدخول في العالم الاجتماعي المرير والتنافسي. إن هذه الآراء على حد سواء وضعية أكثر منها مثالية بمعنى أن العقل والمعرفة يتم تفسيرهما باعتبارهما يتطوران من خلال التجربة الحسية المباشرة وليس ممارسة المنطق الصرف. وبالرغم من ذلك يتبقى هناك احساس قوي بالثنوية في الكثير من تلك التوصيفات: بين الطبيعة والمجتمع وبين الذات والآخرين وبين العقل والجسد. إن فلاسفة التربية-وفي الحقيقة الفلاسفة بشكل عام-وجدوا الكثير من الأسس للرغبة في الانعتاق من النزعات الفردوية والثنوية للابستمولوجيا الحديثة. وفي نفس الوقت فإن مسائل الهوية المهنية والشك والصادق امتزجت لجعل العديد من فلاسفة التربية يترددون في اعتناق المداخل النظرية التي تبدو لا عقلانية أو نسبوية أو سوسيولوجية أو جمعوية بشكل جذري. وبالتالي فإن الكثير من الأعمال التي أجريت حول الطبيعة الاجتماعية للعقل قد أجريت خارج التيار العام للفلسفة الغربية كما تمارس في الأقسام الجامعية التي تحمل ذلك الاسم: وقد يفكر المرء في أعمال المدرسة الروسية لــ فايغوتسكي وباختين وغيرهما على سبيل المثال والتي تصنف غالباً أنها سيكولوجيا أكثر منها فلسفه مع أنها لا تنسجم بسهولة ضمن السيكولوجيا الحديثة كذلك. إن معظم الأعمال حول البنائية نادراً ما تعتبر كفلسفة مع أنها أنتجت تفسيرات مهيمنة للكيفية التي أصبحنا نفهم بها: الفرد في الغالب كانت البنائية البياجوية تصنف باعتبارها سيكولوجيا؛ والبنائية الاجتماعية كسوسيولوجيا.
لقد كان الفلاسفة على وعي بالحاجة لحماية حيز معين للفلسفة في تلك المناظرات في الغالب على حساب عدم الاشتباك مع النظريات المهيمنة في حقل النظرية بشكل أكثر اتساعاً. وفي السنوات الأخيرة كان هناك اهتمام متزايد في التيار العام للفلسفة في المسائل العابرة لتلك الحدود التقليدية: في الابستمولوجيا الاجتماعية وفي ابستمولوجيا الفضيلة على سبيل المثال. إن المساهمات في هذا العدد الخاص تعكس بشكل جيد مدى الاهتمام الواسع في الابستمولوجيا في نطاق النظرية التربوية وفي نطاق فلسفة شبكة التربية. تواجه ماريانا باباستيفانو (1) القضية المحورية التي تم التعرف عليها في الأعلى. وتجادل أنه من أجل التقريب بين الابستمولوجيا والأخلاقيات في خدمة التربية مطلوب منا أن ننبذ الايمان الذي حملناه طويلاً في الفضول باعتباره فضيلة عقلانية محايدة سياسياً. وبدلاً من ذلك علينا أن تقبل أن الفضول غير المكترث (أي اللامتحيز) لم يكن حقيقة غير مكترث لكنه في ذاته بناء اجتماعي-تاريخي. يقدم كاي هورسثيمكا (2) ادعاء خلافياً بدرجة مشابهة لكنه مخلف جداً وهو أن "المعرفة الأصيلة" "تنطوي في أحسن الأحوال على فهم أو تصور للمعرفة ناقص أو جزئي أو في أسوأ الأحوال فهم أو تصور للمعرفة مثير للشكوك". في حين أن باباستيفانو قد يعتبر تحدياً للثوابت الفلسفية من بعض الجوانب فإن هورسثيماك يدافع عن قوة التحليل الفلسفي مقابل ما يعتبره بلاغة شديدة الاستقطاب. إنه لا ينكر أن الاعتقادات الأصيلة قد تكون ذات قيمة عملية عظيمة لكنه يرفض الزعم أنها صالحة فلسفياً لاستبدال المعرفة الافتراضية المبنية على الحقيقة بتقليد ثقافي "قائم على الأسلوب". وبينهما تثير هاتان الورقتان مسائل هامة جداً حول القوة ومحددات الفلسفة وحول العلاقة الملائمة بين الفلسفة والنظرية الاجتماعية: وهذه أسئلة كبيرة لا تقود إلى إجابات سهلة. وتساهم كلوديا شومان (3) في الجدل من خلال الدفاع ضد القول أن الأنثوية تقوض الابستمولوجيا من خلال استقطابها سياسياً. إن النقد الأنثوي لا يختزل فقط الفلسفة في السوسيولوجيا من خلال التعامل مع قضايا القوة والانتكاس إلى النسبوية بأدق تفاصيلها. وبدلاً من ذلك فإن الابسمولوجيات النسوية قد ساهمت في إثارة مسألة الموضوعية التي (تردد أصداء تقد باباستيفانو للفضول) في الغالب جرى تفسيرها باعتبارها لاإشكالية. إن قضايا القوة والمركز ترتبط بشكل محبوك بعملية تحويل الحقائق إلى معرفة وتجادل شومان أننا تثبط بحثنا عن الموضوعية الحقيقية إن أنكرنا أن هذا هو الواقع. ويجادل نيغيل تابس (4) أن المسائل الابستمولوجية قد جرى في الغالب متابعتها ليس فقط باعتبارها منفصلة عن المسائل الأخلاقية ولكن باعتبارها منفصلة عن القضايا التربوية أيضاً. إن اهتمام تابس بالتالي هو النظر للابستمولوجيا باعتبارها تربية بما ينسجم مع "حكمة دلفي: اعرف نفسك". يذكرنا تابس أن الابستمولوجيا الحديثة لم تولد في منهجية محددة والتي تنتج مخرجات غير مشكوك فيها ولكنها ولدت في تساؤلات سقراط حول كل ادعاء بالمعرفة. إن رفض معرفة محددة ينعكس في النسبوية الحديثة ولكن مثل هذه النسبوية لا تخبر الأفراد بأي شيء بالضرورة حول كيف يعيشون حياتهم. وعندما يشك الناس بخبراتهم باعتبارها ابستمولوجية عندها فقط يمتلكون القوة الحقيقية لعمل شيء ايجابي في العالم.
يهتم رونالد بارنيه وسورين بنغتسن (5) بتأثير التغيرات الاجتماعية على دور الجامعة وادعاءاتها في خلق المعرفة. يعتمد هذا العمل على فلسفة وسوسيولوجيا المعرفة في ادعاء أن الرقمنة والحالة ما بعد الحداثية بشكل أوسع قد زعزعت استقرار المعرفة وشرذمتها بحيث أن الجامعة الآن تعكس عالم من "جماعات ابستمولوجية-اثنية". ومن هنا يمكننا الحصول على استبصارات هامة حول الكيفية التي تتغير بها طبيعة المعرفة وحول انزياح مكانة الممارسات التخصصية (على سبيل المثال الهيمنة الحالية للرياضيات والعلوم التطبيقية التكنولوجية). ورداً على هذه الأزمة الوجودية رجعنا إلى قيمة التفكير المعمرة وبشكل خاص التفكير الايكولوجي الذي يمكننا من التأمل في التغيرات العديدة التي قلبت الكثير من الافتراضات الانسانوية الليبرالية حول دور الجامعة. وفي الحقيقة إذا أخذت ككل تقدم هذه الأوراق مجموعة قوية تدعونا جميعاً لإعادة التفكير بما نأخذه كمسلمات في فهمنا لماهية المعرفة وللكيفية التي يمكن التوصل بها إليها.